الجاحظ

21

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

متى تأته تعشو إلى ضوء ناره * تجد خير نار عندها خير موقد فقال عمر : ذاك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وقد كان الناس يستحسنون قول الأعشى : تشبّ لمقرورين يصطليانها * وبات على النار الندى والمحلق فلما قال الحطيئة البيت الذي كتبناه قبل هذا سقط بيت الأعشى . وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يزال المسروق منه في تهمة من هو بريء ، حتى يكون أعظم جرما من السارق » . وقال أبو الحسن : أجرى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الخيل وسبق بينها ، فجاء فرس له أدهم سابقا ، فجثا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ركبتيه وقال : « ما هو إلا بحر » . فقال عمر بن الخطاب : كذب الحطيئة حيث يقول : وإن جياد الخيل لا تستفزنا * ولا جاعلات العاج فوق المعاصم وقد زعم ناس من العلماء أنه لم يستفزه سبق فرسه ، ولكنه أراد إظهار حب الخيل وتعظيم شأنها . وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يأكل على الأرض ، ويجلس على الأرض ويلبس العباء ، ويجالس المساكين ، ويمشي في الأسواق ، ويتوسد يده ، ويقصّ من نفسه ، ويلطع أصابعه ، ولا يأكل متكئا ، ولم يرقط ضاحكا ملء فيه . وكان يقول : « إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد ، واشرب كما يشرب العبد ، ولو دعيت إلى ذراع لأجبت ، ولو أهدي إلي كراع لقبلت » . ولم يأكل قط وحده ، ولا ضرب عبده ، ولا ضرب أحدا بيده إلا في سبيل ربه . ولو لم يكن من كرم عفوه وثخانة حلمه ، إلا ما كان منه يوم فتح مكة ، لقد كان ذلك من أكمل الكمال وأوضح البرهان . وذلك أنه حين دخل مكة عنوة وقد قتلوا أعمامه وبني أعمامه ، وأولياءه وأنصاره ، بعد أن حصروه في الشعاب ، وعذبوا أصحابه بأنواع العذاب ، وجرحوه في بدنه ، وآذوه في نفسه ، وسفهوا عليه ، وأجمعوا